يشهد الواقع القرآني في العراق اليوم حركة تجديد واسعة، تتكامل فيها جهود العتبات المقدّسة والمؤسسات الرسمية والأهلية من أجل الارتقاء بمستوى العمل القرآني وتطوير برامجه وأدواته. وفي سياق هذا التوجّه العلمي والنهضوي، أقام معهد القرآن الكريم في العتبة العباسية المقدّسة دورة تخصصية بعنوان “ المشروع الوطني لتطوير الكوادر القرانية في العراق” جمعت عدداً من الخبراء والأكاديميين وأصحاب التجربة الريادية في هذا المجال. وقد حاضر في هذه الدورة الشيخ الدكتور باسم دخيل مراد العابدي، الذي يُعدّ واحداً من أعمدة الدراسات القرآنية في العراق، وممن تركوا أثراً علمياً ومؤسسياً واضحاً عبر مشاريعه المتعددة في التدريب القرآني، وتحكيم المسابقات، وبناء الأنظمة واللوائح، وتأسيس المؤسسات والمجلات العلمية المتخصصة.
وقدّم الشيخ الدكتور باسم العابدي في هذه الدورة محاضرة نوعية شكلت إضافة معرفية للمشاركين، لما حملته من رؤية مؤسسية متكاملة، تستند إلى خبرة طويلة في إدارة المشاريع القرآنية وتطويرها. وقد عرض في مستهل محاضرته قراءة تحليلية للبيئة القرآنية في العراق، مبيناً التحديات الكبرى التي تواجه المؤسسات، ولا سيما الحاجة إلى التنظيم الإداري، وتحديث المناهج، ورفع كفاءة الكوادر، وتفعيل الشراكات، واعتماد أدوات القياس والتقويم. وقد شدّد على أن النهضة القرآنية لا تتحقق بالجهود الفردية مهما بلغت قوتها، بل بالعمل المؤسسي الرصين المبني على التخطيط الاستراتيجي والحوكمة العلمية، وهو ما تحرص عليه العتبة العباسية ومعهد القرآن الكريم في برامجه التدريبية.
وفي محور مهم من محاضرته، استعرض الدكتور العابدي تجارب ناجحة من الواقع العراقي، مستشهداً بمشاريع قرآنية اثرت في البنية القرانية منها مشروع المسابقات القرآنية الوطنية، وإدخال لوائح التحكيم الحديثة، وأوضح أن هذه النماذج الناجحة لم تكن لتتحقق لولا التخطيط العلمي والعمل الجماعي وتطوير المهارات الإدارية لدى العاملين في المؤسسات القرآنية. وقدّم جملة من التوصيات العملية للمشاركين، ركّزت على إعداد الخطط السنوية والمرحلية، وبناء فرق العمل، وآليات ضمان الجودة، وكيفية توظيف التقنيات الحديثة في الإدارة والتدريب.
كما دعا الشيخ الدكتور باسـم العابدي إلى تعزيز المهنية في إدارة المؤسسات القرآنية، مؤكداً أنّ رسالتها لا تقتصر على تعليم التلاوة والحفظ، بل تشمل الإسهام في بناء الإنسان، وترسيخ الوعي الديني، وإنتاج المعرفة، ودعم الدراسات المتخصصة، وربط المجتمع بالقرآن منهجاً وقيمة وسلوكاً. وبيّن أن معهد القرآن الكريم في العتبة العباسية يمثّل نموذجاً متقدماً في هذا الاتجاه، بما يقدمه من دورات وبرامج ومراكز متخصصة، وبما يمتلكه من رؤية مؤسساتية واضحة تسعى لخلق بيئة قرآنية واعية ومنظمة.
واختُتمت المحاضرة بحوار مفتوح مع المشاركين، أجاب خلاله عن تساؤلاتهم في الجوانب الإدارية والتعليمية والبحثية، مؤكداً أن تطوير المؤسسات القرآنية هو مسؤولية مشتركة تتطلب تلاقح الخبرات واستمرار التدريب وتحديث الآليات لمواكبة التحولات المعاصرة. وقد أضفت مشاركته في هذه الدورة قيمة معرفية متميّزة، لما حملته من خبرة ممتدة، ورؤية منهجية، وتجربة عملية تُسهم في تعزيز الحراك القرآني وتطوير مؤسساته على مستوى العراق والمنطقة.
يذكر ان الدكتور العابدي هو أحد أساتذة قسم علوم القرآن والتربية الإسلامية في كلية الفقه الجامعة.



اضافة تعليق